محمد أبو زهرة
1353
زهرة التفاسير
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ هذا نفى للظلم عن اللّه سبحانه ، والتصريح بلفظ الجلالة في موضع الإضمار هنا ، كان لمثل ما ذكرنا لتربية المهابة ، وليكون ذلك تأكيدا لنفى الظلم ، إذ كيف يظلم الموصوف بالألوهية ، وحده ، وكيف يريد الظلم مانح العالم كله الوجود ؛ وقال : لِلْعالَمِينَ وهم العقلاء في هذا الكون ؛ لأنهم هم الذين يحسون بوقع الظلم وآلامه ، ويشعرون بمتاعبه وآثامه ، وأصل الظلم معناه النقص ، ومن ذلك قوله تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً . . . ( 33 ) [ الكهف ] ثم أطلق على نقص الحقوق وهضمها ، ومن ذلك قوله تعالى : فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) [ طه ] وقوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ . . . ( 110 ) [ النساء ] ثم أطلق الظلم على وضع الأمر في غير موضعه ، حتى لقد قالوا فيمن حفر الأرض ، ولم تكن موضعا للحفر إنه ظلمها ، ويقال عن التراب المظلوم ، وعن الأرض المظلومة ، ولقد قال الراغب في معنى الظلم : ( الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء : وضع الشئ في غير موضعه المختص به ، إما بنقصان أو بزيادة ، وإما بعدول عن وقته ومكانه ) . والظلم الذي نفاه سبحانه وتعالى عن نفسه عام لا يخص نوعا دون نوع ، وهو نكرة في موضع النفي ، ومن المقررات اللغوية أن النكرة في مقام النفي تعم ولا تخص ، فالمعنى لا يريد اللّه سبحانه وتعالى ظلما قط أي ظلم كان ، فقد خلق السماوات والأرض بالحق ، وربطهما وما فيهما بميزان لا يتخلف إلا بإرادته سبحانه وتعالى ، فليس فيهما شئ إلا في موضعه ، ودبر أمور الكون والناس بدقة وإحكام ، وهو العليم الحكيم اللطيف الخبير السميع البصير ، وأنزل سبحانه الشرائع بالحق والميزان ، فليس فيها شئ إلا وهو عدل لا ظلم فيه ، وأساس الشرائع السماوية كلها العدل الذي يستطيعه الإنسان ، وقد قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ . . . ( 90 ) [ النحل ] . وبهذا نفى اللّه سبحانه وتعالى الظلم عن نفسه ، ونفى أن يكون نظام شرعه فيه إباحة لظلم العباد فيما بينهم ، ولذا قال سبحانه في حديث